السيد محمد تقي المدرسي

242

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

يقول د . حامد في هذا المجال : إن الجمع بين العقل والشرع ، والتنزيه والتشبيه ، والوحدة والكثرة ، والظاهر والباطن ، وكل الثنائيات ليس صيغة تلفيقية لحل المعضلة ، ولكنه استبعاد للحصر والتحديد والتقييد ، وذلك لحساب الإطلاق واللاتحدد واللا تناهي - إنه بعبارة أخرى - إلغاء للثنائية ، لا بالتوحيد بين طرفيها توحيداً ميكانيكياً ، ولكن عن طريق خلق وسيط قادر على استيعابها معاً ، هو القلب « 1 » . . . إن التنزيه والتشبيه جانبان مختلفان لحقيقة واحدة ، ولا يمكن تجاهل أحد الجانبين إذا أردنا معرفة الحقيقة ، ولا ندركهما إلا بالقلب الجامع لكل ثنائيات الوجود بحكم أنه الموطن الإلهي في الجسد الإنساني « 2 » . وتتجلى معضلة التنزيه والتشبيه - في جانبها المعرفي - من خلال ثنائية أخرى هي ثنائية الله والفاهم ، فالله من حيث ذاته له التنزيه المطلق ، ومن حيث صفاته التي ترتبط بالفاهم له التشبيه والتنزيه : التنزيه من حيث صفة الغنى والإطلاق والأولية ، والتشبيه من حيث النزول في صور أعيان الممكنات ، والتجلي في الصور المختلفة المتعددة ، وقد جاءت الشريعة بالجانبين معاً ، وجمعت بينهما في آيات كثيرة في القرآن . ونصوص في الآثار النبوية ، وإذا كانت الآيات المحكمات تدل على التنزيه والآيات المتشابهات تدل على التشبيه ، فهما وجهان لحقيقة واحدة لا تتكثر إلا بالنظر والاعتبار . وهنا ينقل نصاً عن أبي عربي جاء فيه : أصعب العلم بالله إثبات الإطلاق في العلم به لا من كونه إلهاً . وأما من كونه ذاتاً أو من حيث نفسه فالإطلاق في حقه عبارة عن العجز عن معرفته فلا يعلم ولا يجهل ، ولكن يُعجز ، وأما من كونه إلهاً ؛ فالأسماء الحسنى تقيده والرتبة تقيده ،

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 366 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 367 .